الإنترنت.. بيئة خطرة جداً.. نافعة جداً.. مسلية جداً!

لم يزل عشرات الآباء يمنعون أبنائهم من استخدام الانترنت أو دخوله منازلهم ليس بسبب التكلفة الإضافية التي قد تزيد من استهلاك الأسرة فقط بل لأن لديهم اعتقاداً مؤكداً بأن الانترنت لن يقدم للأسرة إلا فساد الأخلاق وضياع الأوقات وجلب المحظورات….

ورغم أن هذا الاعتقاد تناقص عما كان عليه قبل سنوات إلا أنه لم يزل موجوداً ربما لأن أحداً ما لم يخبرهم بأن الانترنت يعتمد أولاً وأخيراً على المستخدم وكيفية استخدامه فهو كما يقول أحدهم كــ (كأس) في يدك تملأه خمراً أو عسلاً باختيارك فإن شئت شاهدت مئات الأفلام الممنوعة والصور المحظورة وكل مايفسد دينك ودنياك وإن شئت اطلعت على مئات أخرى من الكتب والبرامج والمقالات والموسوعات التي قد تجعل منك خبيراً في أحد العلوم وتقودك للتعليم والتطوير الذاتي.

الذي يسمح منا لنفسه بالدخول إلى الإنترنت، فإنه يأخذ تأشيرة دخول إلى العالم كله، وهو يذهب في رحلة مكوكية ينتقل فيها من من بيئة إلى بيئة، ويلتقي فيها بافراد ومجموعات، ويتعرف فيها على ثقافات وسخافات، وهو يذهب في رحلته هذه إما حسب خطة محددة مسبقاً ينجزها وينهي رحلته، أو قد يترك لنفسه العنان دون خطة لتقوده أصابع يده كيفما اتفق.. وليقع أينما وقع.

وسواءً اخترت تلك الرحلة المعروفة بداية ونهاية، أو اخترت هذه الرحلة السياحة الاستكشافية.. فأنت (في كلا الحالتين) معرض للالتقاء بالغرباء عنك، وبالهبوط في بيئات غريبة عليك، ولن يكون في مقدورنا أبداً (أبداً) البقاء في عالم مثالي مليء بالخير وأهله داخل هذا العالم الافتراضي، لأنه صورة لعالمنا الواقعي، بل -واسمحوا لي أن أكون أكثر وضوحاً وصدقاً- العالم الإنترنت الافتراضي هو صورة (أسوأ وأفظع) من عالمنا الواقعي، لأننا في عالمنا الواقعي لدينا قوانين تسيرنا، وسلطان يردعنا، وأناس نعرفهم أو لانعرفهم نستحي من مواجهتم بأخطائنا، وهذا كله مختف إلى حد كبير في ذلك العالم الافتراضي، هناك.. حيث تتحمل أنت مسؤولية ذاتية وتتعرض لتحديات أكبر من تلك التي تتحملها في عالمك الواقعي الذي تعيش فيه.

وأمام هذا التحدي.. في مواجهة هذا العالم.. أعتقد أننا أصبحنا نملك ثلاث خيارات فقط:

  • عدم الدخول إليه أبداً.. وبالتالي لا تصيبنا مصائبه ولا نستفيد من جواهره وثماره، من منطلق ( الباب اللي يجيك منه الريح.. سده واستريح!).
  • الدخول إليه بحرية تامة ودون قيود، نستفيد من حسناته، وتلفحنا سيئاته.
  • الدخول إليه بحذر وفطنة، نلتقط الثمار، ونتقي الأشواك، وكلما زاد حذرنا وفطنتنا.. قلَّ تعرضنا للأذى.. (أقول: قلّ.. لأنه من المستحيل برأيي أن يختفي هذا الأذى).

ومع أن هذا الخيار الثالث يبدو هو الخيار الذي سينال استحسان الكثير.. إلا أنه الأصعب ولا شك.

 واسمحوا لي أن أعيد إلى أذهانكم الحقيقة -الصعبة- التي نواجهها في عالمنا الجديد هذا، ولم يعد أمامنا أصلاً إلا أن نواجهها.. وهي أننا لم نعد نعيش ولم يعد بإمكاننا العيش داخل بيوتنا فقط، نتربى على توجيهات والدينا وتعليمات مُدرسينا وتعاليم مدارسنا فقط، صحيح أن هذه ما زالت أقوى محركاتنا المؤثرة فينا.. لكن عالمنا الآن أصبح مفتوحاً علينا فضائياً وإلكترونياً وهاتفياً.. وهو في طريقه لمزيد من الانفتاح. 

لا أنكر أن الرقابة مطلوبة من الآباء وخاصة للأطفال أو في سنوات المراهقة ولكن قبلها يجب الاهتمام بالتربية السليمة والتوعية وتعليمهم التمييز بين الخطأ و الصواب والقرب من الأبناء لتتولد لديهم قناعات داخلية بعدم حاجتهم لكل محظور لأن المنع القهري ليس حلاً جذرياً للمشاكل ولا رافداً أساسياً في التربية.

وهذا يدعوني إلى توجيه رسالة لأولياء الأمور، وهي رسالة من إنسان عاش في قلب هذا العالم الافتراضي وتعرض لنفحاته ولفحاته، أن يركزوا على تعليم أبنائهم كيف يسبحوا بأمان في هذا المكان، حتى إذا غابوا عنهم -وهو مصيرهم عاجلاً أو آجلاً جزئياً أو كلياً- لم يجد أبناؤهم صعوبة كبيرة في الدخول إلى هذا العالم بأمان والتعاطي مع تحدياته بوعي ذاتي داخلي.

فأي صنف ستختار؟!!

المصدر: أسماء

إكتب تعليقك